ملف الغد

“الحَــــرڤة”.. شباب يَحلُم وعائلات في حُرقة

السواحل تتحول إلى منصة "مكتظة" لهجرات جماعية نحو أوروبا

الغد الجزائري – شهدت سواحل الجزائر الأسبوع الماضي أجواء “غير عادية” بفعل تزاحم “قوافل” المهاجرين غير الشرعيين عبر قوارب الموت من مختلف الشواطئ الجزائرية من شرق البلاد إلى غربها.

آدم مقـــــران

سجلت مستويات “الحرڤة” الأسبوع الماضي وتيرة قياسية حيث تدافع مئات الشباب إلى عرض البحر انطلاقا من السواحل الجزائرية طمعا في الوصول نحو الضفة الشمالية للمتوسط، لتحقيق حلم الوصول إلى دول “الرفاه” وتحقيق مستقبل أفضل، غير مبالين بالمجازفة و حجم المخاطر، لاسيما وأن غالبيتهم شباب مراهقون أو في العشرينات كأقصى تقدير، اختاروا أن “يرهنوا” أعمارهم في قوارب خشبية لتلبية طموحاتهم و أحلامهم.

مع منتصف شهر سبتمبر بدأت الأحياء والمداشر شمال البلاد خاصة الولايات الساحلية تتداول أولى أخبار انطلاق مجوعات “الحراڨة” من شواطئ عنابة، بجاية، تيقزيرت، دلس، كاب جنات، بودواو البحري، الرغاية الشاطئ، عين طاية ،المرسى، تنس، مستغانم، عين تيموشنت، وهران ..، وحديث عائلات مهمومة على أبنائها لا تنام الليل، قلوبها على الجمر في انتظار أي “همس” عن مصير أبنائها، الذين فضل بعضهم توديع أهلهم و البعض الآخر “التكتم” على العملية إلى حين بلوغه إلى مسامعهم، عن طريق الجيران والأصدقاء ..أو الجهات الأمنية لا قدر الله.

في معظم المدن الساحلية والبلدات المجاورة لها، لا حديث هذه الأيام سوى عن أخبار أبنائهم، الكل ينتظر، الكل يخمن، لا احد يجرأ على تطمين الأهل، ولا حتى على مواساتهم مخافة “الإيحاء” لهم بأي ملامح قد تفهم تمهيدا لخبر غير سار، والأولياء بدورهم لم يعودوا يثقون بحديث العامة و”همس” الشارع، وتحولوا هم إلى متابعين ملتزمين للصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي ليتأكدوا بأنفسهم..

مراهقون وعائلات “ترهن” أعمارها فـي “بوطي”

السيدة آسيا إحدى الأمهات اللواتي ينتظرن على أحر من الجمر مصير ابنها الذي انطلق في قارب منذ أكثر من أسبوع دون أن يصل أي خبر عنه، خبر عن محمد صاحب 23 ربيعا فقط، الذي كان قد قرر الحرقة قبل هذا العمر، وحاول أكثر من مرة حيث تنقل من الجزائر العاصمة إلى غاية عنابة، ومعه 30 مليون سنتيم لركوب رحلة بحرية نحو ايطاليا، غير أن المحاولة لم تنجح بفعل أن الأمر يتعلق بعملية احتيال رصدت له وسُلب منه المبلغ كاملا من قبل العصابة التي اتضح أنها تنشط في هذا المجال، وكان هذا المبلغ قد استلفه واضطر والديه لتسديده كدين عليهم في وقت لاحق.

رغم ذلك، لم يستسلم وقرر هذه المرة إعادة المحاولة واختار الهجرة من “الرغاية الشط”، حيث دفع هذه المرة مبلغ 25 مليون سنتيم ( 20 مليون مسبقا و5 ملايين حين صعوده إلى القارب) لصاحب القارب وبقي يترقب أسبوعا حتى لا يتعرض لاحتيال مرة أخرى وينطلق القارب بدونه، إلى غاية يوم السبت 18 سبتمبر 2021 في حدود التاسعة ليلا، حيث انطلقت الرحلة بـ 13 شابا تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما في الـ”بوطي”، ليختفي مع ظلام الليل شيئا فشيئا وتختفي معه أخباره إلى حد كتابة هذه الأسطر، تاركا والدته في “حُرقة” تترقب أي “وميض” عن مصيره، حتى أنها لم تغسل ملابسه التي كان يرتديها قبل المغادرة لتستأنس براحته فيها كما تركت فراشه على حاله.

وبالتزامن مع رحلة محمد، انطلق قارب آخر من الجزائر الشاطئ (برج البحري) في نفس الليلة ونفس التوقيت، وآخر قبلهما بيوم من المرسى (لابيروز) في نفس التوقيت أيضا، وحسب آخر الأخبار المتداولة في فان المجوعتين المنطلقتين من المرسى والجزائر الشاطئ قد بلغتا الشواطئ الاسبانية، وبعض أفرادها اتصلوا بأصدقائهم وعائلتهم، بعد 5 أيام في عرض البحر، وأكد أحد أفراد المجموعتين أنهم صادفوا قارب الرغاية الشط مع بداية إبحارهم قبل أن يفترقوا، متخذا كل واحد مساره.
وحسب استطلاع “الغد الجزائري” لطبيعة الراكبين تبين أن الأمر يتعلق بشباب ممن يعانون الضيق الاجتماعي، بعضهم بطالون، آخرون يشتغلون في المهن الحرة، وبعضهم بائعون فوضويون في الأسواق الموازية، وعدد منهم من أصحاب السوابق العدلية ومطلوبين لدى الأمن.. لكن عددا منهم أيضا تقول مصادرنا أنهم من ميسوري الحال، لم ينقصهم من العيش ما يدفعه إلى هذه المغامرة.

مسبوقون قضائيون ومطلوبون للعدالة ضمن “الحـــراڤة”

ومع بلوغ الأخبار الأولى للناجين، انطلقت الاحتفالات والألعاب النارية ومواكب زاهية احتفاء بوصولهم سالمين ونجاتهم من المغامرة، بعد أسبوع من الترقب وضرب الأخماس بالأسداس حول مصيرهم، وجابت هذه المواكب الأحياء السكنية وشوارع البلدات والمدن التي يقطنون بها، مُعلنة بالزغاريد والألعاب النارية وأجراس السيارات خلاص أبنائهم من الموت، الذي نزل خبره كالصاعقة على عائلات أخرى استقبلت وفود العزاء دون حتى أن ترى جثة ابنها الذي بلغهم أنباء غرق قاربهم في عرض البحر أو العثور على جثث من ذلك القارب أو تلك المجموعة في أحد شواطئ الضفتين.

ولم تغب مشاهد القلق والترقب عن مواقع التواصل الاجتماعي حيث شكل بعض الفايسبوكيين من عائلات وأصدقاء “الحراڨة” مجموعات تواصل لرصد أي خبر عن ابنهم، لاسيما بعد مرور 3 أيام بفعل أن المدة المتوقع استغراقها في الإبحار تقارب في أحسن الأحوال 16 ساعة وفي أقصاها 3 إلى 4 أيام، وهذه الأخيرة نشرت نداءات بحث واستطلاع أي جديد بشأنهم في منشورات مرفقة بصورهم التي أظهرت أن هؤلاء اغلب المغامرين في أولى سنوات شبابهم، أقصاهم في منتصف العشرينات كأقرب تقدير.

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي، أخبار انقلاب قارب انطلق من مستغانم وفق المعلومات التي أوردها صاحب المنشور، وهذا الأخير استقاها من أحد الركاب بقارب آخر (مهاجر غير شرعي) قام بتصوير مشهد الالتقاء بهم، غير أنهم لم ينقذوهم مخافة الهلاك بتحميل قاربهم وزنا لا يتحمله، وتركوهم لمصيرهم، كما بلغ بعض العائلات بالعاصمة أن مجموعات من “الحراڨة” في قبضة السلطات الاسبانية وقد وضعوهم في محتجز هناك.

ومع تضارب الأخبار، تخرج بين الفينة والأخرى بيانات من الحرس المدني الإسباني الذي تحدث عن انقلاب قارب يقل حراڨة جزائريين في عرض البحر قرابة السواحل الاسبانية، وأشارت إلى أنه تم تشكيل دوريات بحث وإنقاذ في النقاط البحرية ذاتها، حيث تم انتشال جثتين عثر عليهما طافيتين على سطح مياه البحر، بينما تواصل نفس الفرق عملية البحث عن مهاجرين آخرين يرجح أنهم في عداد المفقودين، وذلك 3 أيام فقط بعدما نشرت صحيفة “فوز دي ألميريا” في وقت سابق خبر تواجد جثث 7 مهاجرين من الجزائر على ساحل ألميريا جنوبي إسبانيا.

وذكرت أن الجثث تعود لـ 4 رجال وسيدة وطفل يبلغ من العمر 4 سنوات وشخص آخر لم تحدده عثر عليهم على الشاطئ أو طافين فوق الماء بالقرب من منطقة ليفانتي منذ 10 أيام .

ولم يتضح ما إذا كانوا جميعاً على نفس القارب الذي يمكن أن يكون قد غرق. وكانت هناك تكهنات أيضاً بأنهم ربما يكونون قد غرقوا عندما أجبرهم المهربون الذين جلبوهم من الجزائر إلى إسبانيا على القفز من القارب، على حد قول المصدر.

وبخصوص الجثتين راسلت جمعية جزائرية للسلطات الإسبانية عبر إيميل رسمي، للتأكد أن كانت تخص قائمة الشبان الجزائريين الذين أبحروا من شواطئ مستغانم في المدة الأخيرة 12/17/23 سبتمبر الجاري نحو جزر مايوركا وشاطئ كاربونيراس في محافظة ألميريا كون الشكوك تحوم حول هويات مهاجرين شبان ينحدرون من ولاية غليزان، أبحروا سرا في الأيام الأخيرة من شاطئ “ويليس” في مستغانم ويجهل مصيرهم.

وفي الوقت الذي أخذ بعض الأفراد علما من عائلات المفقودين بأنهم تحت قبضة الأمن الاسباني وهم محتجزون، خرج الناشط الحقوقي الإسباني فرانسيسكو خوسي كليمانتي عضو منظمة “أبطال ديل مار” الإسبانية غير الحكومية، ليفيد في منشور على حسابه الرسمي بالفيسبوك، أن قوات خفر السواحل الإسبانية قامت بتوقيف 24 جزائريا في الجنوب الإسباني، من ضمنهم 4 نساء و3 قصر بتاريخ 21 سبتمبر من الشهر الجاري، تم اقتيادهم إلى المحطة البحرية لميناء طريفة ومن ثمة إخضاعهم إلى البروتوكول الصحي الخاص بكورونا، قبل أن يتقرر وضعهم في مركز مؤقت لإيواء المهاجرين غير الشرعيين تشرف عليه منظمة الصليب الأحمر الدولي، حيث تحتفظ بهؤلاء الحراڨة مدة 68 يوما قبل أن يتم ترحيلهم إلى بلادهم أو يجري الإفراج عنهم، وذلك بعد غلق كافة مراكز احتجاز الحراڨة الـ11 في إسبانيا بسبب جائحة كورونا.

وأمس الإثنين فقط، أنقذت الخدمة البحرية للحرس المدني الاسبانية بألميريا، 12 شابا جزائريا، بينهم قاصر، حيث تم نقل هؤلاء “الحراڨة” الجزائريين إلى ميناء المدينة(الميريا) وحسب خفر السواحل الاسباني أن الشباب الجزائريين غادروا ليلة الإثنين من وهران.

وإن كان هؤلاء قد ساعدهم الحظ، فان عدد من “الحراڨة” لم يصلوا ولقوا حتفهم في عرض البحر قبل أن تُلقي الأمواج بجثثهم إلى الشاطئ على غرار الضحايا الذين انطلقوا من بجاية .

أخبار متضاربة وعائلات تحت رحمة “عصابات” الابتزاز

ليس الموت هو المصير الأسود الوحيد الذي يتربص بـهؤلاء المغامرين، لكن هناك حالات أخرى لا تقل فضاعة عن الأولى، وهي عائلات تحت رحمة “عصابات” الابتزاز والمساومة في مصير أبنائها “المحتجزين”.

اقتربت “الغد الجزائري” من عائلة لا تزال تنتظر الإفراج عن ابنها الذي قيل إنه محتجزٌ في تونس منذ أكثر من عام، دون أن تحظى فرصة الاتصال به حتى، غير أن هذه الأخيرة تحدثت عن اتصالات مع وسطاء تمكنوا من رصد مكانه، وأن هؤلاء “التوانسة” اشترطوا دفع مبلغ مالي معتبر لإطلاق سراحه دون أن يقدموا حتى ضمانات لذلك، في وقت تتواجد عائلته في حالة قلق كبير بفعل عدم تلقيها لأي ضمانات بالإفراج عنه مخافة أن يتعرض لأي ضرر دون أن تفصح عن مزيد من التفاصيل.

 

وتتبنى هذه العصابة ذات النفوذ –على ما يبدو- عمليات مساومة، بحيث تستغل وضعية هؤلاء الشباب الذين في قبضتهم لابتزاز عائلاتهم من اجل المال، وقد شاعت مؤخرا هذه الممارسات، تحديدا منذ 10 سنوات ويخص عدد من “الحراڨة” الجزائريين كانوا متجهين نحو ايطاليا قبل أن يتم رصدهم في المجال البحري التونسي أو إنقاذهم ليتحول الأمر إلى عملية احتجاز مقابل “فدية” لتحريرهم.

في وقت تتداول هذه الأخبار لدى عائلات “المحتجزين” الرهائن، فإن السلطات التونسية وعلى رأسها قيس سعيد قد نفت وجود أي حراڨ جزائري في السجون التونسية وهو ذات التأكيد الذي صدر بعد نفي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان-فرع بنزرت- قبل 6 أشهر نقلا عن مصادر أمنية بالمنطقة! في وقت تؤكد العائلات أنهم تلقوا معلومات عن تواجدهم هناك، ليصبح الوضع أكثر تعقيدا وأكثر خطورة مما كان يظهر، وتبقى القضية رهينة أي مستجد ينهي المأساة.

وإن كان الأمر يتعلق بالأفراد “المغامرين” قد تعود عليه الجزائريون خلال السنوات الأخيرة فان الجديد هذه المرة دخول العائلات على خط “الحراقة”، حيث تناولت وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام صور شاب من باب الوادي بمعية أسرته الصغيرة المتكونة من زوجته وابنيه رفقة شقيق زوجته داخل قارب تقليدي بصدد الهجرة إلى اسبانيا انطلاقا من عين طاية، وبعد يومين بلغت أنباء وصوله إلى الضفة الأخرى تحديدا إلى الأراضي الاسبانية، وهي صور سبق وأن رصدتها مجموعات الفايسبوك في حالات سابقة بكل من وهران وعنابة، في وقت يبحث آخرون عن اقتناص أول فرصة، على غرار أحد الموظفين المقبلين على التقاعد الذي يعتزم الهجرة رفقة عائلته فور توفير المبلغ وإن اضطر إلى بيع سكنه على حد تعبيره.

هكذا يُؤَمِّن “الحـــراڤة” مبالغ رحلاتهم

وبالعودة إلى كيفية تأمين الشباب لمبالغ الحرقة، التي تبدأ بـ 8 / 10 ملايين و14 مليون وتصل إلى 75 مليون سنتيم، فان المبلغ والكيفية تختلف من حالة إلى أخرى، بعضهم جمع المبلغ بـعرق جبينه، من شغله اليومي في المهن أو التجارة الموازية، وبعضهم من تجارة المخدرات.

في حين أن عدد منهم اضطر إلى الاقتراض ليؤمّن المبلغ على غرار حالة الشاب محمد صاحب23 ربيعا، أما قرينه الآخر المدعو نجيب فباع سيارته من علامة ميرسدس بمبلغ 110 ملايين ودفع تكاليف الحرڤة بـ75 مليون سنتيم وحول ما بقي منها إلى العملة الصعبة في السوق السوداء ليواصل بها مغامرته بأوروبا التي نزل بها عبر الميريا ثم برشلونة ويدخل بعد 3 أيام إلى فرنسا، وإن كان هذا خيار نجيب فإن عددا آخرين ممن لم يملكوا المبلغ ويحصلوا عليه، أقدموا على عمليات احتيال وسرقة من عتاد وسيارات لدفع تكاليف “رحلة الموت”، وخلّفوا حسابات مع الضحايا ومع العدالة، حتى أن بعضهم اعتذر “غيابيا” وتعهد بتعويض المبلغ !

أقرت المنظمة الدولية للهجرة في آخر حصيلة سداسية لها أن عدد الأشخاص الذين حاولوا العبور إلى أوروبا عبر البحر المتوسط بين جانفي وجوان هذا العام ارتفع بنسبة 58 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام 2020 وأن دول شمال أفريقيا قامت باعتراض أو إنقاذ أكثر من 31,500 شخصا في النصف الأول من عام 2021، مقارنة بـ 23,117 في أول ستة أشهر من العام الماضي.

وتُشير بيانات المنظمة إلى وفاة ما لا يقل عن 1,146 شخصا أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر في الأشهر الستة الأولى من عام 2021، وهي زيادة بأكثر من الضعف حتى الآن هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020 موضحة أن معظم النساء والرجال والأطفال الذين ماتوا وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا كانوا يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط، وقد وثقت المنظمة الدولية للهجرة 896 وفاة.

وتؤكد التقارير الصادرة عن المنظمة إلى وفاة ما لا يقل عن 741 شخصا على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط، بينما فقد 149 شخصا حياتهم أثناء عبورهم غرب البحر المتوسط، وتوفي ستة أشخاص على طريق شرق البحر المتوسط، في حين كشف تقرير أصدرته الوكالة الأوربية لحراس السواحل وحراس الحدود، عن احتلال الجزائر المرتبة الرابعة، من حيث عدد المهاجرين غير الشرعيين في “رحلات الحرقة” نحو أوروبا خلال العام الفارط عد كل من سوريا المغرب وتونس.و تشير الوكالة في تقريرها المفصل عن الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2020 ان السنة الماضية هي الأدنى من حيث رحلات الهجرة غير الشرعية منذ 2013، بسبب COVID-19، حيث انخفض عددها بنسبة 13 ٪ مقارنة بالعام الماضي .

الهجرة غير الشرعية فـي ارتفاع.. والمناخ العامل الجديد

ومن جهتها، تشير بيانات الجيش وحرس السواحل بالجزائر إلى عمليات دورية لإحباط محاولات الهجرة غير الشرعية وإنقاذ مهاجرين من الغرق في عرض البحر قرابة السواحل الجزائرية، حيث تمكنت عام 2019 من إحباط 3 آلاف و53 محاولة هجرة غير شرعية، أوقفت خلالها 4465 مهاجرا غير شرعي من جنسيات مختلفة، وأنقذ حرس السواحل 331 مهاجر.

أما في 2020 فقد، أحبطت وحدات خفر السواحل 8184 مهاجرا كانوا على متن قوارب تقليدية الصنع، في حين أحبطت مفارز الجيش محاولة هجرة غير شرعية لـ 1712 شخص في السداسي الأول من 2021 ، غير أن عدد مرشح للارتفاع في السداسي الثاني خاصة وأن هناك بيانات تتحدث عن وصول حوالي 1000 جزائر إلى السواحل الاسبانية في مدة 72 ساعة فقط !

في عام 2009، أصدرت الجزائر أحكاما جزائية ضد الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر، حيث أصبح بموجب القانون المؤرخ في 25 فبراير 2009 الخاص بالجرائم المرتكبة ضد القوانين واللوائح المتعلقة بمغادرة التراب الوطني (المادة 175 مكرر 01 من قانون العقوبات)، يواجه كل من يعترضه خفر السواحل حكما بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 20 ألف إلى 60 ألف دج (بين 1500 و3500 دولار) أو إحدى هاتين العقوبتين فقط.

غير أن هذا القانون لم يكبح رحلات “قوارب الموت” التي أصبحت على ما يبدو تجارة مربحة لبعض البارونات التي بلغت مداخيلها أحيانا قرابة مليار ونصف مليار سنتيم في الليلة الواحدة، على متن “القارب السريع” الذي يدفع ركابه العشرة 75 مليون سنتيم للفرد الواحد، ويقوم أحيانا برحلتين في الليلة الواحدة إلى اسبانيا والتي لا تستغرق أكثر من ساعتين ونصف على حد قول العارفين.

وتشير التقارير والدراسات إلى أن أرقام “الحراڨة” مُرشحة للارتفاع أكثر فأكثر، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية يدخل العامل المناخي ليظفر بمكانه في “الدوافع” إلى الهجرة غير الشرعية، ويذكر تقرير الأمم المتحدة في توقعاته لعام 2050 أن هناك مخاوف كبيرة من شح المياه في شمال أفريقيا، التي يأتي على تسميتها بـ “المحرك الرئيسي للهجرة المناخية الداخلية”. إضافة إلى تباطؤ النمو السكاني في كل من المناطق الساحلية والداخلية التي تواجه نقصا في المياه، بما في ذلك الساحل الشمالي الغربي للجزائر وغرب وجنوب المغرب وسفوح جبال الأطلس وستشهد شمال أفريقيا وحدها 19 مليونا مهاجرا.

تطور الإطار القانوني لمكافحة الهجرة غير الشرعية بالجزائر

سارعت الجزائر منذ تفطنها إلى ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة، إلى تبني إجراءات عديدة لمواجهتها، حسبما تشير إحدى الدراسات الأكاديمية. فعلى المستوى الوطني، وضعت القوانين للحدّ من ظاهرة الهجرة “غير النظاميّة”، حيث أصدرت القانون البحري الجزائري بموجب الأمر 76/80 المنشور في الجريدة الرسميّة العدد 29 في تاريخ 10 أفريل 1977، وكون الهجرة غير الشرعيّة كانت جريمة محتملة لا ترقى إلى الجريمة الواقعة ولا إلى درجة الظاهرة، راح المسؤولون في الجزائر يبحثون تعديل القانون البحري بالأمر 95/5 الصادر في تاريخ 25 جوان 1998، الذي يتضمن “مغادرة الأراضي الجزائريّة بصفة غير قانونيّة”.

ونصّت المادة 545 منه على “جريمة السفر خلسة في سفينة”، وجاء في هذه المادة عقوبات جزائية على فعل الهجرة غير الشرعية عن طريق سفينة قصد القيام برحلة، بالحبس من 6 أشهر إلى 5 أعوام، بالإضافة لغرامة مالية قدرت بـ 10000 د.ج، إلى 50000 د.ج، خلافًا لجريمة الركوب غير النظامي على سفينة المشار إليها بالمادة رقم 544 من القانون البحري الذي عاقب عليها بالغرامة فقط من 10000 د.ج، إلى 500000 د. ج.

ولكن هذا القانون -حسب الدراسة- لم يحقق نتائج جيدة، هذا ما دعا الحكومة الجزائريّة إلى أن تصدر قانون رقم 9/1، الذي تم التحضير له بموجب مشروع تقنين العقوبات، المتضمن تجريم مغادرة الجزائر بشكل غير نظامي من قبل وزارة العدل وأودع لدى المجلس الشعبي الوطني في 13 سبتمبر في عام 2008، وفي نفس العام تم عرض على الحكومة الجزائريّة، وخلال مناقشة هذا القانون في عام 2009، أتفق على إلغاء المادة 175 مكرر، المتعلقة بتجريم المهاجرين بصفة غير قانونيّة عبر منافذ أو مراكز غير مراكز الحدود، واعتبارهم ضحايا بالنظر للعوامل التي دفعتهم للهجرة غير الشرعيّة .

واعتبرت الدراسة أن هذا القانون فشل في ضبط ظاهرة الهجرة غير النظاميّة، والدليل على ذلك ما سجل في عام 2009 من ارتفاع إعداد المهاجرين اتجاه الدول الأوروبية، بالمقابل فقد اهتمت الجزائر بوضع العديد من الخطط الاقتصادية واهتمام خاص بالشباب.

وعملت الجزائر بين عامي 2009- 2013 على مكافحة البطالة حيث انخفضت إلى أقل من 9% نتيجة استحداث أكثر من 450000 منصب شغل في كل عام، ومع ذلك ظلت الهجرة غير الشرعيّة مستمرة، وعلى مستوى المؤسسات الوطنيّة فقد كلّفت الدولة الجزائريّة قوات الجيش الوطني والأمن والدرك والشرطة،” مجموعة حراس الحدود، وحرس السواحل، ومصالح شرطة الحدود”، في فرض الرقابة وضبط الحدود، وتكوين فرق أمنيّة كانت من مهامها التحري، البحث، التموقع، وكذلك تفكيك شبكات الهجرة غير الشرعيّة. كما تم إنشاء الديوان المركزي لمكافحة الهجرة غير النظاميّة، وهو جهاز مركزي للقيادة والتنسيق بين مختلف المراكز، وكذلك تم تجهيز السواحل الجزائريّة ببعض أجهزة المراقبة.

بالمقابل فقد فرضت السلطات الجزائريّة على كل من يأوي أجنبيًا أن يبلغ عنه مهما كانت صفة إقامته، ووضعت بعض القواعد المتعلقة بالفنادق حيث يترتب على المؤجر اخبار الشرطة أو الدرك الوطني..)، وكذلك أصدرت السلطات بعض القواعد التي تحكم نشاط وكالة السياحة والأسفار.


الخبير الأمني والعقيد المتقاعد بن عمر بن جانة لـ”الغد الجزائري”
حتى الدول الكبرى مهما بلغ تطورها لا يمكنها توقيف “الحَرڤة”
 تجار “الحَرڤة” محترفون لديهم معلومات أكيدة عن المراقبة

أكد الخبير الأمني بن عمر بن جانة أنه ليس في متناول اية دولة في العالم مهما بلغ تطورها توقيف ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وأن الحل يكمن في العمل على التنمية الشاملة وتوفير الرفاه والفرص لهؤلاء الشباب لاستقطابهم إلى البقاء في بلدانهم.

وأوضح بن عمر بن جانة أمس في تصريحات لـ”الغد الجزائري” أنه يعتبر موضوع الحرقة موضوعا اجتماعيا أكثر منه موضوعا أمنيا بحكمها ظاهرة إنسانية مدفوعة بعوامل اجتماعية على غرار الفقر والبطالة والمستوى المعيشي، وغلق الأبواب في وجوههم..

أما في الجانب الأمني، فيقول العقيد المتقاعد كخبير أمني أن “ضبط الشريط الحدودي صعب أكان بريا أو بحريا، إذ أنه لا يمكن التواجد في كل مكان في كل وقت لأن عملية الهجرة غير الشرعية قد تتم في أية لحظة وفي أي نقطة” مشيرا إلى وجود دوريات مراقبة منظمة ومنتظمة لكنها لا يمكن أن تكون مستمرة”.

وأوضح بن جانة أن الذين يشرفون على الهجرة غير الشرعية – التي تعد حسبه عملية تحايل- “ناس غير عاديين”، لكن “محترفون”، يعرفون الأوقات ولديهم معلومات أكيدة عن نظام المراقبة.

وشدد في سياق متصل أنه لا سبيل لرصد هذه العمليات بشكل جيد أفضل من خلال اعتماد المراقبة بعد باستخدام الأنظمة التكنولوجية المتطورة عن طريق الأقمار الصناعية على اعتبار أنه حتى المراقبة الجوية لا يمكنها تأمين المراقبة على الشريط الساحلي، قبل أن يضيف أنه حتى بالأقمار الصناعية قد يستحيل وقف الظاهرة بوجود خلل تكنولوجي أو عابر جوي أو مناخي كالغيوم أو موجات مغناطيسية.. وعليه فحتى الدول العظمى والأكثر تطورا وتحكما في التكنولوجيا لا يمكنها وقف الهجرة غير الشرعية.

وأشار بن عمر بن جانة إلى التداعيات التي تخلفها الهجرة غير الشرعية خاصة من الجانب الإنساني وما يتعرض له الأشخاص كأفراد وكعائلات وصولا إلى “التهديدات اللاتماثلية” المتعلقة بالإجرام والإرهاب والأمراض المعدية، إلى جانب التهديدات الاقتصادية والاجتماعية وكل هذه تحولت إلى هاجس في الضفة الأخرى، بشكل يحتم على الطرفين التعاون للحد منها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى